الجاحظ

184

رسائل الجاحظ

[ 6 - الزيدية تجيز إمامة المفضول مع وجود الأفضل ] قالوا : وقد يكون الرجل أفضل الناس ويلي عليه من هو دونه في الفضل حتى يكلفه اللّه تعالى طاعته وتقديمه إما للمصلحة ، وإما للاشفاق من الفتنة كما ذكرنا وفسرنا ، وإما للتغليظ في المحنة وتشديد البلوى والكلفة كما قال اللّه تعالى للملائكة اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى والملائكة أفضل من آدم فقد كلفهم اللّه تعالى أغلظ المحن وأشد البلوى إذ ليس في الخضوع أشد من السجود على الساجد والملائكة أفضل من آدم لأن جبريل وميكائيل وإسرافيل عند اللّه تعالى من المقربين قبل خلق آدم بدهر طويل لما قدمت من العبادة واحتلمت من ثقل الطاعة ، وكما ملك اللّه تعالى طالوت على بني إسرائيل وفيهم يومئذ داود عليه السلام وهو نبيهم الذي أخبر اللّه عنه كما في القرآن وبقوله تعالى : وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً ، ثم صنيع النبي صلّى اللّه عليه وسلم حين ولى زيد بن حارثة على جعفر الطيار يوم مؤتة ، وولى أسامة على أكثر المهاجرين وفيهم أبو بكر وعمر وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وسعد بن أبي وقاص ، ذوو أخطار وأقدار من البدريين والمهاجرين والسابقين الأولين . [ 7 - الحاجة إلى الامام ] فصل منه : ولو ترك الناس وقوى عقولهم وجماح طبائعهم ورغبة شهواتهم وكثرة جهلهم وشدة نزاعهم إلى ما يرديهم ويطغيهم حتى يكونوا هم الذين يحتجزون من كل ما أفسدهم بقدر قواهم وحتى يقفوا على حد الضار والنافع ويعرفوا فضل ما بين الداء والدواء والأغذية والسموم ، كان قد كلفهم شططا وأسلمهم إلى عدوهم وشغلهم عن طاعته التي هي أجدى الأمور عليهم وأنفعها لهم ومن أحلها عدل التركيب وسوي البنية وأخرجهم من حد الطفولة والجهل إلى حد البلوغ والاعتدال والصحة وتمام الأداة والآلة ، ولذلك قال عز ذكره : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ولو أن الناس تركهم اللّه تعالى والتجربة وخلاهم وسبر الأمور وامتحان السموم واختبار الأغذية ، وهم على ما ذكرنا من ضعف الحيلة وقلة المعرفة وغلبة